عائلة جودة

(أبو الوليد) يرحب بجميع الاعضاء
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 ثورات البشرية على الوثنية

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المدير العام"أبو الوليد
Admin
avatar

المساهمات : 138
تاريخ التسجيل : 27/11/2010

مُساهمةموضوع: ثورات البشرية على الوثنية   الأربعاء ديسمبر 08, 2010 2:06 pm

ثورات البشرية على الوثنية !
محمد شرينة

ما هي الوثنية ؟الجواب الذي يتبادر إلى الذهن أنها عبادة الأصنام ، و لكن هذا الجواب غير كامل ، فالعرب الموصوفين بالوثنيين (قبل الإسلام ) لم يكونوا يعبدون الأصنام ، بل يوقرونها لأنها تقربهم إلى الله زلفى (حسب النص القرآني ) و عندما سمع الصحابي الذي كان كتابيا (مسيحي ) ثم أسلم (عدي بن حاتم) الآية التي تقول (…. اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أربابا من دون الله) قال للنبي إننا لم نكن نعبدهم (يقصد أحبارهم و رهبانهم) ، فأجابه النبي : إنكم كنتم إذا أحلوا لكم الحرام استحللتموه و إذا حرموا عليكم الحلال حرمتموه ، فهذه عبادتهم .
إذا لعله من الأفضل أن نعرف الوثنية على أنها عبادة شيء مع الله ، و لكن صراحة فلا أحد من المسلمين أو الوثنيين (العرب قبل الإسلام) كان يعبد شيئا مع الله ، و بالتالي فلعل الوثنية في أكثر أشكالها جلاء هي : اتخاذ ربا من وراء الله ، بمعنى أن الله لما كان لا يمكن التواصل معه مباشرة ؛ فالوثنية هي عبادة ممثل الله ، أو مجرد القبول بأن لله ممثل ما . سواء كان هذا الشيء حجر أو بشر أو حتى فكر ، و لكن حتى لا نقع في خلل كبير و نرتكب خطأ لا يمكن مغفرته ، يجب علينا تحديد معنى العبادة ، ذلك أننا نحن المسلمين نحترم الكعبة التي هي حجر فهل نحن نعبدها ؟
الإجابة على هذا السؤال هي الفكرة المركزية في التمييز بين العبادة و الاحترام ، ففي المعركة التي بلغ عنان السماء غبارها، وحرم سكان المشتري النوم ؛ صليلها ! أعني تلك المعمعة التي دارت رحاها و لم تزل دائرة بين الصوفيين و السلفيين حول احترام الحجر و البشر . هذه المعركة إنما تؤول إلى هذه النقطة حصرا ، متى يكون فعل التبجيل لشيء ما احتراما ، و متى يكون فعلي التبجيل و الانصياع لشخص ما عبادة ؟
لا بد من الاعتراف بأن السلفيين ، نظريا يتقدمون خطوات كبيرة إلى الأمام عندما يصرون على أن الطاعة العمياء لشخص ما ، و التبجيل المطلق لشيء ما هو عبادة ، و هم يستشهدون بالنصوص الواردة أعلاه ، و يرد عليهم الطرف الآخر بردود كثيرة معروفة ، و لكن القطعة الضائعة كليا من المشهد هي : ما هو البديل الذي يقدمه هذا الفريق ( السلفيون ) إذ هم يعتبرون الحديث النبوي مطلق الصحة ، و حتى يكون كذلك فلا بد أن يكون رواة هذا الحديث كذلك مطلقي النزاهة و التبجيل إلى حد التقديس( على الأقل الصحابة منهم) ، إذ كيف يمكن أن نأخذ ديننا الكامل الأبدي ، عن أشخاص ليسوا بكاملين ، و أنا أعرف أن لديهم ردودا كثيرة ، و لكنني أعلم أيضا أننا إذا وضعنا هذه الردود بجانب ردود خصومهم لبان تطابق الحالتين تطابقا كاملا .
في يوم من الأيام كنت على قناعة كبيرة إن السلفيين يعبدون الله بينما يعبد الصوفيون ابن عربي و أبو الحسن الشاذلي و غيرهم ، ثم اكتشفت أن لهؤلاء أربابهم و لأولئك أربابهم من رواة الحديث ،و سيقول لك الآخرون نحن لا نعبدهم بل نقلدهم ، و هم إنما يدينون أنفسهم بشكل أكثر قوة ، ذلك أن الفريق الأول (الصوفي ) على علاته ترك لنفسه شيئا و لو قليلا من الحرية عن أربابه ، بينما يصرح السلفي ليلا نهارا أن الخير كله في الإتباع و الشر كله في الابتداع و أن كل محدث بدعة و كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار .
فأين يقف الإتباع و يبدأ الابتداع ؟ عند البخاري و مسلم أم عند شيوخهما مثل ابن حنبل و عبد الله بن مسلمة ، أم يا ترى هو يقف عند أبي هريرة ؟ جوابهم المباشر هو أنه يقف عند النبي و لكن هيهات ، هيهات ، لن أدخل في الجدل الطويل عن صحة الحديث ، بل سأكتفي بثلاثة نقاط واضحة تنفي تماما كون الإتباع يمكن أن ينسب إلى الله أو الرسول، و هي:
أولا : ما اختلف على أنه قرآن و النقطة التي أريد أن أصل إليها هنا هي : كيف يمكن القول أن الحديث مقطوع بنسبته إلى النبي ، بينما اختلف من اتفقوا على عصمتهم ( يتفق رواة الحديث على عدالة الصحابة و بالتالي هم بمعنى من المعاني معصومين ) على ما هو قرآن و ما هو ليس كذلك .
كما أن القرآن نفسه انتقد النبي في غير ما موضع و هذه هي نقطة القوة الأعظم لهذا الرجل ( النبي ) ، فكيف مع هذه الانتقادات الواضحة يمكن حتى اعتبار النبي ذاته معصوما ، و سيقولون : كيف إذا يأمرنا القرآن بإتباع النبي إذا لم يكن معصوما ، و هم المطالبون بالإجابة . و كل ما يمكن قوله بالنسبة لي أن القرآن أمر بطاعة الله و الرسول و أولي الأمر ، كما أمر برد المسائل إلى الله و الرسول و أولي العلم ، فهل أولي الأمر و أولي العلم معصومون أيضا ، هذا ما سيقوله بعض الفقهاء صراحة أو تورية ، الجواب الوحيد المتوفر لمن لا يريد أن يتناقض مع ذاته أن الأمر بطاعة الرسول و أولي الأمر و أولي العلم إنما هو أمر بإطاعة الحاكم و القاضي ، انه أمر عملي و ليس فلسفي ، بمعنى أنك في كل دولة يتوجب عليك إطاعة القوانين التي تصدرها السلطات و هذا لا يعني أن هذه القوانين صحيحة أو خاطئة ، فهذه مسألة مستقلة تماما ، فهذه السلطات تملك سلطة مدنية تتعلق بالمسموح و الممنوع و ليس لديها سلطة فلسفية تتعلق بما هو صحيح أو خاطئ ، و الحالة هنا كذلك تماما و لا يوجد تفسير آخر مقبول ، فان سألت فمن الذي يمتلك السلطة الفلسفية التي تبين الصحيح من الخطأ فالجواب بسيط ، لا أحد إلا الله و يمثله جزئيا البشر جميعهم و أؤكد على كلمة جزئيا ، فكثيرا ما اجتمع البشر كلهم على رأي خاطئ ،و إلا ما معنى الاكتشاف و التطور والعلم ؟ و هذا واضح في القرآن تماما ( إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون )، (ما يعلم تأويله إلا الله ، و الراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ) و قد و ضعت الفاصلة بعد لفظ الجلالة لأن التفسير الآخر للآية الذي يقول أن الراسخون في العلم معطوفون على (الله ) سخيف إذ يتطلب أن تكون نهاية الجملة بعد (و الراسخون في العلم ) و بالتالي فان الجملة اللاحقة التي تبدأ ب (يقولون) تصبح عديمة المعنى تماما فمن هم الذين يقولون ؟ إنهم حتما الراسخون في العلم و بالتالي فنهاية الجملة السابقة حتما كلمة (الله) ، و الآيات أكثر من أن تحصى .
بالتالي فان الواضح بالنسبة لي أن السلطة المدنية التي كانت للنبي انتقلت إلى أولي الأمر (لنقل سلطة تنفيذية ) و أولي العلم (لنعتبرهم سلطة تشريع ) في سيرورة قانونية و فقهية مستمرة و هذا فعلا ما فهمه رجال مثل أبو بكر و عمر و علي و ستأتي الدلالة على ذلك ، و من الواضح تماما من السياق السابق و اللاحق أن أي سلطة مدنية سابقة لا تلزم السلطة المدنية اللاحقة لها بشيء ، أما المعرفة الفلسفية فمفتوح استشراقها لكل أحد حتى نرجع كلنا إلى الله فينبئنا الذي هو الحق.
ثانيا :كثيرا ما يذكر القرآن القضية و نقيضها كالآية ( قل ما أصابكم من خير فمن الله و ما أصابكم من شر فمن أنفسكم ) و الآية التي تليها مباشرة (قل كل من عند الله ) ، ولطالما توقفت عند هذا الذي بدا لي تناقضا واضحا ، حتى أدركت أن هذه هي نقطة عظمة هذا الكتاب (القرآن ) حيث يذكر الأمور كما هي فالأمور تبدو أحيانا تحت سيطرة الإنسان و من صنعه و تبدو أحياتنا أخرى خارجة تماما عن أي دور له ،و بالتالي ذكر القرآن الحالتين ، و بذلك هو ليس فقط يترك للإنسان تحديد كل حالة و ما يناسبها بل يجبره على ذلك ، يدفعه لذلك دفعا . و لطالما قرأت ما يعاب على القرآن من أنه متناقض ، و هذا صحيح تماما مثل آيات الحرية ( لا إكراه في الدين ، أ فأنت تكره الناس على أن يكونوا مؤمنين )و آيات الإكراه ( إن الدين عند الله الإسلام ،و من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ،و قاتلوهم حتى يكون الدين لله كله) فإذا فهمنا هذه الآيات بأنها تقول بصراحة أن الأساس هو حرية العقيدة و لكن هناك حالات طوارئ تتعرض فيه العقيدة الجديدة لمحاولة استئصالها و بالتالي لا بد من الصلابة القصوى للدفاع عنها كما يحصل في أي مجتمع ، لبدت هذه الآيات غير متناقضة بل متفقة ، و بنفس الوقت لبدت تاركة الحرية و الخيار للبشر ليقرروا لكل حالة ما يُناسبها ، و لكن المشكلة عندما تأخذ على ظاهرها بشكل تبدو كلها ملزمة و نهائية ، ما هو الذي نطبقه منها ، و هنا لا نجد حلا سوى القول أن آية السيف (واقتلوهم حيث ثقفتموهم ….) تنسخ سبعين آية أو أكثر كما يقول مفسرونا ، القرآن بهذا المعنى لا يُطرح كغاية نهائية للمعرفة بل كأحد وسائلها ولا أنكر أن في القرآن ما يُمكن أن يُفهم منه العكس(ما فرطنا في الكتاب من شيء) و لكنه كما أسلفت يحوي نقيض الفكرة السابقة(قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ) فهل ينفذ البحر قبل أن ننهي كتابة القرآن؟
ثالثا : هو اختلاف الأمة حد الاقتتال دون أن يكفر بعضها بعضا و هو ما حدث في الصدر الأول و هو نقطة عظمة الأمة الكبرى ، أذا هناك ثلاث نقاط قوة باهرة في النبي و القرآن و الأمة ، كما أسلفت ضاعت كلها سريعا .
و لنبدأ بالخلاف على القرآن أثناء تدوينه فمن ذلك إصرار أبي بن كعب ، الذي قال عنه النبي ( أقرأكم أبي ) على أن دعاء القنوت صورة من القرآن ، و إنكار عبد الله بن مسعود كون المعوذتين من القرآن و إصراره على أنهما تعويذتين تعوذ بهما النبي و حسب .
تم جمع القرآن بشكله الحالي في خلافة عثمان ، و اعتمدت النسخة التي اعتبرها عثمان النسخة الحقيقية الوحيدة و أحرق ما سواها (يذكرنا بما حدث في مجمع نيقية مع الكتاب المقدس ، الإنجيل ) ، أكثر من ذلك فقد أغلظ عثمان معاملة من خالفه رأيه هذا حتى وصل به الأمر إلى ضرب واحد من أكبر الصحابة و أقربهم للنبي و أعرفهم ، و هو عبد الله بن مسعود الذي كان النبي قد طلب أن يسمع القرآن منه ، و من المعروف أن النبي توفي و هناك على وجه الأرض عدد من الناس (الصحابة ) يعد على أصابع اليد الواحدة يحفظون القرآن.
أنا أعرف ردود التيار الديني التقليدي على هذه الروايات و أنا هنا لن أحاول إثبات و لا نفي هذه الروايات و لا حتى تأويلها ، فما يهمني هنا فقط هو أن هذه الروايات موجودة و يستحيل إنكار وجودها . و بالتالي ، فان كانت هذه الروايات صحيحة فأنه من غير الممكن الجزم بحتمية نسبة شيء إلى الله عن طريق النبي و لا حتى القرآن ، ذلك أن الله يقول للنبي ( و إن لم تفعل فما بلغت رسالة ربك ) و إذا كان النبي قد بلغ بوضوح غير قابل للخلاف عدد الصلوات و عدد ركعات كل صلاة و كيفية الوضوء ، و ترك دستور الإسلام الذي هو القرآن لمن هم بعده يخمنون ما هو منه و ما هو ليس منه و يختلفون فيه ، فأي تبليغ هذا؟ و التفسير الذي لا أجد غيره ، هو أن ما يعتبره النبي دستورا للأمة كان قد بلغه بكل وضوح ، إن هذه الرسالة هي : أنه لا شيء في هذا العالم نهائي .
إذا قلنا أن هذه الروايات غير صحيحة و هي مروية في أمهات كتب الحديث ، فهذا يعني أنه ليس فقط الذين قالوها بل أيضا هؤلاء الذين تناقلوها لا يمتون للإسلام بصلة ، علماً أننا أخذنا القرآن و الحديث عنهم ، فماذا يبقى ؟ الواقع لا يبقى شيء يمكن الركون إليه ، ما أقصده أن مجرد رواية أئمة الحديثمثل هذه الروايات (إنكار ابن مسعود لكون المعوذتين من القرآن مذكور في صحيح البخاري) دون تكفير القائل بها أو راويها هو دليل قاطع أنهم كانوا يعتقدون أنها وقعت و بالتالي رووها ، و إلا لكانوا بقصد مساهمين في تدمير مصدر الثقة الأول في الإسلام .
إن مجرد رواية أئمة الحديث لهذه الروايات دون إنكارها بل دون تكفير قائلها و راويها يقود إلى معضلة ، فرواة الحديث أما يعتقدون أن هذا وقع ؛ و بالتالي فدعوى أن القرآن متفق عليه و إنكار أي جزء منه هو كفر ساقطة ، و إلا لكان ابن مسعود و ابن كعب و غيرهم كفارا، و إن لم تصح الروايات فالمحدثين و على رأسهم كبارهم يفترون على الصحابة ما يكفرهم و بالتالي هم كفار ، و كلا الخيارين يقود إلى النقطة نفسها وهي : لا يمكننا اعتبار أي تراث كامل و متفق على صحته بما في ذلك القرآن . (بعد أن أوردت عدة نصوص تثبت هذه الواقعة حذفتها ، فليس هذا ما يهمني و من أرادها يمكنه بسهولة تتبعها في مصادرها و هي غير خافية )
الرد الأكثر شيوعا لرجال الدين التقليديين هو أن هذا الخلاف انتهى ثم حصل الإجماع على القرآن ، و لعمري فهذا الرد شديد الجمال و هو يقود إلى واحدة من قضيتين . الأولى : أن مصدر الحقيقة الأول هو إجماع الأمة و متى اختلفت سقط الإجماع ، و هذه طريقة تفكير رائعة و مسلم بها و تنتهي المسألة إذا تم التسليم بها ، مع إضافة بسيطة و هو أن الإجماع يلزم عمليا و ليس فكريا ، بمعنى أن من حق الأكثرية أن تسن القوانين العملية وفق نظرتها ، بينما إذا كان هناك فرد وحيد في طرف و كانت بقية البشر جميعهم في الطرف الآخر ، فانه لا يحق و لا بأي حال من الأحوال لهذه البقية أن تفرض رأيها على هذا الفرد ، أو أن تمنعه من أن يفكر و يبشر بما يرى أنه الصواب . السبب في ذلك هو ليس فقط احترام بشرية و إنسانية الإنسان ، التي تموت بموت حريته الفكرية ( على أهمية ذلك ) بل هناك سبب عملي واضح ، و هو أن ما يفرق البشر عن غيرهم من المخلوقات و يجعلهم بشر هو هذه النقطة بالذات ، و بدونها يتوقف تطور البشرية جمعاء ، لنتذكر فقط أن كل من المسيح و محمد و كوبرنيك و غاليليو ، كل منهم وقف في يوم من الأيام في الكفة المقابلة لبقية البشر ، ثم أثبتت الأيام أنه كان هو المصيب ، و لو لم تحترم مجتمعاتهم خياراتهم تلك ، لكنا و إخوتنا الحيوانات ما نزال نرعى و نفترس في الغابة(أ فأنت تكره الناس على أن يكونوا مؤمنين؟) .
القضية البديلة : هي أن الإجماع متى حصل فلا عبرة بالخلاف اللاحق ، ذلك أن من يعترف بالإجماع من علماء الأصول يقولون أن الإجماع متى حصل فهو مستمر لآخر الدهر و لا عبرة لمن يخالفه لاحقا ، هذا القول مفاده أننا أمة تعبد أسلافها فإذا اجمع المسلمون ( أهل الحل و العقد منهم ) يوما على أن الأرض منبسطة و ليست كروية و هذا ما حصل فعلا ، فهي يجب أن تظل كذلك أو أن نصبح كفارا ، و عموما كثير من علماء الأصول ينكرون حجية الإجماع من أصلها ( أهل الظاهر لا يعترفون بالإجماع إذا حصل بعد الصحابة و من المؤكد كما هو واضح أن الصحابة ظلوا مختلفين و لم يجمعوا في هذه المسألة) و حتى عند الذين يقولون به فانه لا يخفى تهافت القول بأن إجماع السلف متى حصل يلزم الخلف إلى آخر الدهر ، هذا ليس الإسلام الذي كما بينت حرر إرادة المرء ، بل هو عبادة الأسلاف بأجلى و أوضح صورها . و في كل حال فالقضية من أساسها متهافتة حيث هم يعتبرون القرآن الأصل الأول من أصول التشريع ، فكيف يتوقف التسليم بأصوليته على أصل آخر متأخر عنه في القيمة كالإجماع .
و الخلاصة أنه من المتفق عليه أن الآية ( اليوم أكملت لكم دينكم ) نزلت في حجة الوداع ، فكيف يكون الدين قد اكتمل و ما يعتبرونه أهم جزء منه و دستوره ، أعني القرآن قد تم جمعه بعد خلاف كبير ، بعد حوالي عشرون عاما من حجة الوداع ؟ إلا أن يكون اكتمال الدين و تمام النعمة هو شيء آخر لا يتعلق بنص محدد و لا بشخص معين ،بل بطريقة تفكير ، بروح ثقافية ، تحرر الطاقة الجبارة للإنسان الحر . و هو ما حصل فعلا و كل الدلائل تدل عليه ، عمليا تدل عليه الانجازات الرائعة لهذه الروح في تلك الفترة . و نظريا يدل عليه كل سياق الحديث السابق و الكثير، الكثير غيره ، و من أراد التحقق من هذه الروح روح الاختلاف مع المقدس النصي و الشخصي فما عليه إلا قراءة نصوص التاريخ الصحيحية بما فيها صحاح الحديث كالبخاري و مسلم و الترمذي و غيرها و أمهات كتب التاريخ كالبداية و النهاية لابن كثير و غيره.
أخيرا أشير إلى أن هذا الساق قد يًُفهم منه حجة لتخطئة فريق ما ، و دعم رأي فريق آخر ، و لكن ما تم انجازه من انجاز سامق البنيان، حتى بشهادة كثير من المستشرقين ، و هو لا يحتاج لشهادة أحد ، و قد غير تاريخ الإنسانية جمعاء إلى الأبد تغييرا جذريا و شكل ثاني أكبر ثلاث ثورات عرفها تاريخ البشرية (الأولى الظاهرة الفكرية الإغريقية و الثالثة النهضة الأوربية) ،إنما تم عمله من قبل هؤلاء الذين يمكن أن يوجه إليهم هذا النقد .
بدون أي تحيز يمكن تقسيم تاريخ البشرية إلى :
ما قبل الإغريق
ما قبل الإسلام
ما قبل النهضة الأوربية
للأسف سرعان ما تآكلت نقاط قوة الإسلام للأسباب التي تسعى هذه السطور لتبيانها . لست الوحيد بل أعرف عدد من الناس الذين تغيرت نظرتهم التقليدية للإسلام ليس أبدا بسبب قراءة كتابات العلمانيين أو الإسلاميين الحداثيين و لا حتى المستشرقين أو المتهجمين على الإسلام ، بل بكل بساطة نتيجة لقراءة أمهات كتب الحديث و التاريخ الإسلامي بعقل منفتح و روح حرة ، من مصادرها الأصلية دون وسيط .

نعاني في الوقت الحاضر عند حديثنا عن الإسلام من تطرف مزدوج ، فالبعض يعتبره فكرا و طريقة حياة مطلقة الصحة ، كاملة الخير ، ليس فيها أي شائبة ، هكذا كانت و هكذا ستكون إلى الأبد . بينما البعض الآخر يعتبر الإسلام كارثة و فشلا ألم بالحضارة البشرية ، و لم يقدم للإنسانية أي شيء جيد . كلا الرأيين خاطئ ، و يقود إلى نفس النتيجة .
اعتبار الإسلام فكرا و طريقة حياة كاملة معروفة أضراره ، و لكن من المهم التنبه إلى أن العكس ، أي اعتبار الإسلام شرا صرفا ، له أضرار كبيرة هو الآخر، فعندما تقول للمسلم العادي أن هذه الأمة التي بقيت في الطليعة قرابة عشرة قرون ، لا تملك سوى الشرور و المآسي فكأنك تقول له : لا تصدقني أنا متحامل أيديولوجيا ، لأنه من البديهي أن لا تستمر أمة ما في الطليعة على مستوى العالم كله حوالي ثلث التاريخ البشري المعروف من فراغ ، و إذا كان هذا شر كله و همجية فما أحسن الشر إذا و الهمجية ، أكثر ما نحتاجه هو دراسة التاريخ و الفكر الإسلامي بموضوعية و ليس بنظرة أيديولوجية مسبقة موالية كانت أم معادية ، و أعود هنا إلى القضية الأساس ، لماذا انتشر الإسلام بسرعة فائقة ؟ و لماذا استمر في الوجود و السيطرة لمدة طويلة ؟
لا أشك في أن شيئا جوهريا للغاية حدث مع بزوغ الإسلام و استمر لفترة محدودة هو نقاط القوة الباهرة التي أشرت إليها آنفاً ، و هنا يمكنني أن أؤكد الجواب السابق على هذا السؤال ، إن كمال الدين و تمام النعمة هي إتمام تحرير عقل البشر و إرادة الناس من كل قيد سوى ذاتهما ، تحرير العقل من كل شيء خلا العقل ذاته ، و إطلاق الإرادة البشرية الحرة .
من المهم جدا الإشارة إلى مغالطة كثيرا ما يقبلها العرب إسلامييهم و علمانييهم ، بل أيضا الكثير من المستشرقين إن لم يكن معظمهم ، هي افتراض أن الإسلام كما نعرفه اليوم و بأي من مذاهبه هو نفسه الإسلام كما وُّلد أو حتى قريب الشبه به، فكل المذاهب الإسلامية المعروفة اليوم بعيدة جدا عن الإسلام في العصر الأول لولادته و هذا من وجهة نظر علمية أمر طبيعي جدا .
و لإيضاح هذه المسألة الهامة أورد التالي :أثناء قراءتي لكتاب للفرنسي جاك لانغاد عنوانه من القرآن إلى الفلسفة ، اللسان العربي و تكون القاموس الفلسفي لدى الفارابي(تأليف جاك لانغاد – ترجمة وجيه أسعد إصدار وزارة الثقافة – دمشق ، الصفحات 50 و 90 ) يحاول المؤلف في الفصل الأول من الكتاب أن يثبت أن القرآن يبين أن المهم هو رأي المقدس و أن الناس ليس لهم أن يبدوا رأيا بل أن يقرؤوا بمعنى يتلوا و ينفذوا، و هذا صحيح بشكل عام وينطبق تماما على الإسلام كما نعرفه منذ عصور و لكنه لا ينطبق مطلقا على الإسلام في العصر الأول لظهوره ، و الطريف هنا أن المؤلف يروي حديثين الأول حديث ابن عمر الذي يقول فيه النبيإن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها و هي مثل المسلم، حدثوني ما هي؟) و أن ابن عمر عرف أنها النخلة و لكنه استحى من ذكر الجواب الذي لم يعرفه أحد غيره . و لما حدث عبد الله بن عمر بن الخطاب أبيه عمر بالحادثة تأسف عمر شديدا أن ابنه لم يذكر الجواب للرسول و الناس ، و يبدي المؤلف حيرته لتصرف عمر الذي يناقض فرضه و لكنه يستمر.
الحديث الثاني هو حديث ابن عباس ( لما اشتد بالنبي وجعه قال:ائتوني بكتاب اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ، قال عمر: إن النبي غلبه الوجع و عندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا، فكثر اللغط ، قال (النبي) قوموا عني، و لا ينبغي عندي التنازع ، فخرج ابن عباس يقوا إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله و بين كتابه) و في محاولة المؤلف لتفسير هذا التعارض بين ابن عباس و عمر يصل إلى تأكيد رأيه في قيمة المقدس و انعدام قيمة رأي الأفراد ، المناسبتين تدلان بوضوح على عكس هذا الرأي تماما و يمكنني أن أضرب مثلا طريفا لما قام به المؤلف كالتالي: بينما كان عراف يحسب من أرقام الحروف التي تؤلف اسم العجوز المريض و اسم أمه كم من المتوقع أن يعيش هذا العجوز ، يتجاهل العراف تماما الرجل الذي يدخل و يخبر الجمع أن العجوز قد مات للتو و يتابع حسابه ليتبين له أن العجوز سيموت بعد عشر سنوات. رغم أن دلالة الحديثين المباشرة واضحة تماما و هي عكس ما يذهب إليه المؤلف فإنه يمضي باستدلاله غير المباشر على ما يريد.
الحديثين و غيرهما الكثير من الأحاديث و الوقائع تقودني إلى أمر في غاية الأهمية حدث في القرن الأول للإسلام و هو النصر الذي حققه ما يمكن تسميته بالفريق الثالث المحايد و الانهزامي في الفكر الإسلامي مع نهاية القرن الأول أو بعد ذلك بقليل.
إنني أرى بشكل واضح جلي لا مجال للبس فيه أن أشخاص كعمر و قبله أبو بكر و بعده عليٌ ، مع عدد آخر من الصحابة الذين لم يتولوا السلطة كأبي عبيدة و ابن مسعود و أبي بن كعب و غيرهم الكثير كانوا يملكون روحا حرة و عقلا متفتحا لا يتوقف كثيرا عند النصوص المقدسة بما فيها القرآن ذاته ، و الذي أصلا لم يكن قد دون و لا هو منتشر ففي أكثر من حديث أن النبي توفي و هناك عدد قليل من الصحابة قد جمعوا القرآن(حفظوه) . و قد جرت أول محاولة لجمعه أيام أبو بكر و جمع بشكل رسمي زمن عثمان و لم يكن لا أبو بكر و لا عمر ممن حفظ القرآن و لم يكن عمر مثلا يسأل من حفظ القرآن قبل أن يتصرف رغم أنه كان يشاور في القضايا الكبيرة أكابر المهاجرين و الأنصار و هذا له دلالة كبيرة فعمر كان يهتم لآراء الناس أكثر من اهتمامه للنص . و عندما تم جمع القرآن أخيرا وقع خلاف ثابت في كُتُب جميع الفرق الإسلامية كما أسلفت.
إن حروب الردة التي قام بها أبو بكر تتناقض مع الكثير من النصوص كما نبهه لذلك عمر نفسه ، كما أن تغاضي أبو بكر عن كثير من أعمال خالد بن الوليد المخالفة للنص المقدس و العرف كون خالد قائد مميز هو دليل على طريقة تفكير برغماتيه واضحة عند أبي يكر ، و قبله فان تقديم سادة قريش على الأنصار الذين دخل الأولون الإسلام بسيوفهم إنما هو تصرف عقلاني برغماتي من النبي ذاته ، كما أن أبو بكر منع فاطمة بنت محمد من التصرف بإرث أبيها و اعتبر أن محمد إنما كان يتصرف بهذه الأموال بصفته حاكما ، و أنها تؤول للحاكم من بعده، هنا ستجد تفسيرا أصوليا تقليديا ينفي أن تكون هذه التصرفات من أبو بكر أو عمر أو غيرهما تصرفات منبعها تفكير حر عند هؤلاء الأشخاص و يعزي هذه التصرفات إلى نصوص وصلت إلينا كحديث (نحن معشر الأنبياء لا نورث) أو لم تصلنا كما يقال بخصوص إيقاع عمر الطلاق المقترن بلفظ الثلاثة كثلاثة طلقات، و هذا إذا كان يمكن قبوله من الأصوليين فإن من الغريب جدا أن يقبل العلمانيون و المستشرقون مثل هذا التفسير للأحداث ، علما أن هذه النصوص إما ضعيفة كحديث (نحن معشر الأنبياء لا نورث) أو لم تصلنا أصلا . و يزداد العجب إذا علمنا أنه لا يمكن الاعتماد على نصوص الأحاديث لتبرير هذه التصرفات فهناك عدد لا بأس به من الإسلاميين أنفسهم يشك في صحة الحديث ، إذ بدأ تدوينه بعد نحو قرنين من وفاة النبي و تأثر هذا التدوين بمؤثرات غير خافية تقلل جدا من وثوقيته.
إذا تابعنا فالأمر أكثر وضوحا فيما يخص عمر فقد أوقف إعطاء الصدقات للمؤلفة قلوبهم(أشخاص مهمين كان النبي يعطيهم من أموال الصدقات ليجذبهم إلى الإسلام أو ليحافظ عليهم مسلمين رغم أنهم أغنياء) و منع نكاح المتعة و متعة الحاج ، مخالفا بذلك نصوص قرآنية صريحة . كما أحدث حدا لشارب الخمر لم يذكره القرآن و أمر بمعاملة المجوس معاملة أهل الكتاب و أعاد لعلي إرث زوجته فاطمة من أبيها محمد الذي كان منعه إياه أبو بكر ( أيهما الذي خالف النص أبو بكر أم عمر فلابد أن أحدهما قد فعل) و أمر بإعتاق أم الولد( الجارية المملوكة إذا أنجبت مولودا من مالكها تصبح حرة و لا يمكنه بيعها) و هنا أيضا كان علي يريد إلغاء هذا الحكم و العودة إلى كون الجارية تظل جارية حتى لو حبلت من مالكها و أنجبت له مولودا و لا بد أن يكون أحدهما مخالف للنص إذا وُجد مثل هذا النص ، هذا كله على سبيل المثال لا الحصر فالدارس لشخصية عمر يعرف تماما أنه كان ذو روح حرة و عقل متفتح بلا ريب ، و لقد خالف النبي في حياته في كثير من المواضع ، و إذا كان عمر بالأصل غير مخلص للدين ، فلم لم يتعامل معه محمد على هذا الأساس ؟ فعمر تصرف قبل و بعد وفاة النبي بنفس الأسلوب .
إذا استحضرنا هنا حديث غدير خم الذي تجده مرويا عند الفريقين الكبيرين من المسلمين و الذي يمكن أن يُفهم منه أن النبي أوصى بالخلافة من بعده لعلي ، و الأهم منه الحديث الصحيح ، الذي يتحدث عن إصرار النبي المرة تلو المرة أثناء مرضه الذي مات فيه على إنفاذ بعث أسامة بكل من فيه( قبل أن يمرض النبي المرض الذي توفي فيه كان قد جهز جيشا لغزو الروم بإمرة أسامة بن زيد و هذا الجيش يضم في عداد جنوده أبو بكر وعمر و عدد آخر من كبار الصحابة) هذا ما يمكن أن يفهم منه أن النبي كان يريد إبعاد منافسي علي عن المدينة ، لأنه كان يعلم أن صحته في تراجع و ربما لا ينجو من المرض ، و بذلك يسهل انتقال الخلافة إلى علي و إذا أضفنا حوادث أخرى لهذا الرأي منها كتاب ابن عباس المذكور آنفا فإن هذا الرأي يتعزز.
هنا أيضا لا يمكنني أن أجد تفسيرا معقولا للأحداث بعيدا عن التفسيرات الأيديولوجية ، التي لا تقود إلا إلى التخبط ، إلا التفسير التالي ، و الذي سيعتبره الاسلاميون التقليديون انتقاصا من النبي و لكنه أبدا ليس كذلك، إذا نظرنا إلى الأمر من وجهة نظر تتسق وروح القرآن الذي يقول للنبي ( تخفي في نفسك ما الله مبديه ):
لم يكن لمحمد ذرية ذكور و بزواج ابنته فاطمة من ابن عمه علي و إنجاب الحسن و الحسين فمن الطبيعي أن تتغير نظرة محمد لتوريث السلطة (و أنا هنا أتحدث عن محمد كقائد و مصلح فذ من وجهة نظر علمية مادية لا دينية ، كبشر كما نظر إليه عمر و علي و الرعيل الأول و ليس كنصف اله أو حتى كاله كامل ، كما أصبح الحال لاحقا) لقد أسس دولة عظيمة تماما خلال عشرة سنوات من إقامته في المدينة التي قدم إليها غريبا مطرودا ، فعندما توفي محمد كان قد أسس دولة عظمى بمقاييس ذلك العصر و محاولات التقليل من شأن تلك الدولة إنما مردها إلى الرغبة في إرجاع الفتوحات السريعة التي تحققت بعد ذلك إلى أسباب غيبية لا أسباب مادية . إنني اعتبر محمد أعظم قائد عرفه التاريخ دون منازع، إن الرجل يملك موهبة قيادية مذهلة حقا .
بالطبع فالظروف أيضا كانت مواتية تماما لما حدث ، فالجزيرة العربية كانت تمور تماما تحت السطح بأفكار التغيير ، و فيها اقتصاد مزدهر نتيجة لتحول طرق التجارة إليها بين الهند و الشرق (عبر اليمن) إلى المتوسط و أوربا(عبر الشام) نتيجة الصراع الفارسي البيزنطي المستمر ، و تردي أحوال كلتا الدولتين مما جعلهما بعد ذلك فريسة سهلة للفتح الإسلامي ، و أنا أعتقد أن الوضع في مكة بالذات قبيل الإسلام كان فيه بعض ما يمكن أن أسميه الملامح الإغريقية من حيث حرية الفكر و نمو التجارة و كون السلطة نوع من الأرستقراطية غير الدكتاتورية و هذا يحتاج إلى بحث منفرد.
لقد قدم محمد إلى المدينة مزودا بشيء واحد هو رغبة طاغية في التغيير و تحويل قومه و بلاده إلى شيء. أما و قد فشل بمحاولة فعل ذلك بالتبشير و الإصلاح و أضطر لمغادرة مكة إلى المدينة فقد تعامل مع تطور الأحداث بحنكة لا مثيل لها، إن مسيرة محمد في المدينة تدل بجلاء على مدى التغيرات الذي كان النبي بحاجة لتبنيها في كل خطوة و مرحلة ، و التي تعامل معها بمرونة و كفاءة منقطعة النظير . بدأ من تغيير القبلة من القدس إلى مكة بعد أن يأس من استرضاء اليهود ليقفوا في صفه و أيقن أن لابد من الاعتماد على العرب أولا و أخيرا ، ثم إجلاء اليهود عن المدينة بعد أن يأس من أي تعاون ايجابي من قبلهم ، مرورا بإباحة نكاح المتعة لحل مشكلة الشباب المقاتل و المحافظة على الروح الفردية عندهم بحيث لا يضطرون إلى تكبيل أنفسهم بأعباء الأسرة و الأولاد في مرحلة يحتاج فيها المجتمع إلى شباب متحفز جاهز للجهاد و الهجرة و التضحية ، و إباحة الغنائم لتشجيع الجهاد ففي الحديث( و أحلت لي الغنائم و لم تُحل لنبي قبلي) ، وصولا إلى تقريب سادة مكة و قادتها الكبار مثل خالد بن الوليد و عمر بن العاص و نقل السيادة و القيادة إليهم و تقديمهم على الأنصار رغم أنهم دخلوا الإسلام مرغمين بسيوف الأنصار.
من ضمن هذه التغييرات فأنا لا أستبعد بل أكاد أجزم أن محمد غير رأيه في أيامه الأخيرة و كان لديه رغبة بتوريث السلطة لحفيديه عن طريق علي ، و من الإشارات الهامة هنا أنه رغم أن تعدد الزوجات أمر مباح تماما و محمد نفسه فعله فقد منع صهره علي من الزواج بامرأة أخرى و خيره بين ذلك و بين طلاق ابنته فاطمة ، علما أنه حتى ولادة الحسن و الحسين لم يكن لمحمد ذرية ذكور ، و لكن المنية عاجلته.
و هذا التغيير يمكن أن يعزى إلى أسباب شخصية ، فمحمد الذي عاتبه القرآن بشأن قضية زينب ، بشر . كما أن هذا يمكن أن يعزى إلى أسباب موضوعية ، بهدف المحافظة على استقرار الدولة من بعده ، فلا شك أن محمد قد تنبه في آخر أيامه أنه من غير الممكن الاستمرار في إقامة نظام ارستقراطي غير فردي في ذلك الزمان في تلك المنطقة من العالم مع اتساع رقعة الدولة ، و أن المسألة لا بد أن تأول في النهاية إلى الحكم الوراثي ، فرغب في توفير كثير من العناء على من يأتي بعده . هذه النظرة غير خاطئة فروما لم تنجح في الاستمرار في نظامها الارستقراطي بعد أن توسعت رقعت إمبراطوريتها و آلت إلى حكم وراثي ، القارئ للتاريخ الإسلامي يعرف تماما أن عمر هو الآخر أحس أن النظام شبه الديمقراطي غير قابل للاستمرار في ذلك الزمان ، و كان شديد القلق على الدولة من بعده (…يقول ابن عباس أنه سأل عمر آخر أيامه عن سبب قلقه مع أنه – عمر - له أيادي بيضاء و سيرة حميدة عند الله و عند الناس فأجابه : إنما أخاف عليك و على من معك من بعدي) و لكنه لم يفكر بتوريث الحكم أو هو فكر و لم يجرؤ ، أو وهو الأصح أنه أدرك أن الأمر شديد التعقيد ، فالصراع الخفي على السلطة بين بني أمية و بني هاشم كان قد وصل إلى نقطة متقدمة، ففضل عمر أن لا يقرر عن الأمة قرارا لا ناقة له فيه و لا جمل ، و بالتالي فضل التمسك بالأمل ، بأمل أن يجد الذين بعده حلا ، فقد أوصى بعد أن طُعن ؛ كل من عثمان و علي بألا يرفع الواصل منهما إلى السلطة أقاربه فوق رقاب العباد ، و هذا ما حصل فعلا .
بالعودة إلى أبو بكر و عمر فإنهما رغم إحساسهما أن شيئا ما يحدث بخصوص توريث السلطة فقد أصرا على الاستمرار بالتفكير و العمل وفق الطريقة التي اعتبراها الطريق القويم ، و الذي سبق أن جمعهما التفاهم عليها مع محمد و أوجدا الأعذار لما يبدو لهما من تغير في تفكير محمد ، و عندما اصطدم أحدهما و هو عمر بتصرف مباشر مثل حادثة الكتاب التي يذكرها حديث ابن عباس السابق رد ذلك إلى أن النبي غلب عليه المرض و بكل جرأة اعتبر أن معلمه أصبح في حالة تجعله ليس أهلاً للتصرف ، فأي روح حرة و أي تفكير متزن يمكن أن يطلبه المرء من عمر أكثر من الذي فعل و هو الذي كان يمنع بحزم تدوين الحديث أو حتى التحديث به في محاولة جلية لمنع تأسيس قيود فكرية يصعب تجاوزها مستقبلا.
القول بأن ذلك تم في خضم النزاع على السلطة يفترض أن البشر منزهين ، فهذا أمر طبيعي و لكنه مع كونه واردا فهو شديد الضعف ، لم يحاول أبو بكر و لا عمر بعده ، الاستفادة من هذه السلطة بأي شكل من الأشكال ، أحب أن أذكر هنا قول المؤرخ الإنكليزي ه . ج .ويلز حيث يقول في كتابه موجز تاريخ الإنسانية : (إن روح الإسلام الحقة لم تتجسد في محمد فقط و إنما في صديقه الحميم أبو بكر ) ،(لا يقوم أدنى شك في انه إن كان محمد هو العقل المفكر و الخيال الخصب للإسلام البدائي ، فقد كان أبو بكر ضميره و إرادته ) ، ( ثم أنشأ أبو بكر ، بذلك الإيمان الراسخ الذي يزحزح الجبال و تلك البساطة النقية و العقل الراجح ، ينصب نفسه لتنظيم أصقاع العالم بأسره لحكم الله و إرادته …. و أوشكت المحاولة أن تؤتي ثمارها ،و لو قيض للإسلام عشرون رجلا من طينة أبو بكر و ممن يصغرونه سنا فواصلوا عمله ، لنجح على التحقيق في بلوغ تلك الغاية ) ، ( كان أبو بكر و عمر بن الخطاب أعظم شخصيتين في تاريخ الاسلام) [ه . ج .ويلز - موجز تاريخ الإنسانية – ترجمة عبد العزيز جاويد – المجلد الثالث - الطبعة الرابعة – إصدار الهيئة المصرية العامة للكتاب – ص 804 – 805 - 811] هذه شهادة رجل علم و دارس للتاريخ غريب عن الإسلام و أهواء أبنائه.
لقد رفض عمر بعد أن طُعن و قبل أن يموت أن يضم اسم ابنه عبد الله لقائمة المرشحين للسلطة بعده . و كل مطلع على التاريخ يعلم دون ريب أن عمر كان حاكما مطلقا (و هذه سيئته الوحيدة و لكنها سيئة عظيمة أثرت سلبا على التاريخ الإسلامي بعد عمر، إن الطريقة المتصلبة التي أدار بها عمر الدولة كانت تماما كالتربية المتزمتة التي يستعملها بعض الناس لتربية أولادهم بشكل يظنون أنه صالح ، فإذا بهم يدمرون شخصية أولادهم و يحرمونهم من حقهم في الخطأ الذي يبني القدرة الحقيقية على مواجهة تقلبات الحياة و مصاعبها لدى النشء) إن عمر كان حاكم يُرهب الجميع لدرجة الخوف و لم يكن ليخاف من فعل شيء أي شيء لو كان رغب بفعله .
بالعودة إلى المخالفات الصريحة للمسلمين الأوائل للنصوص المقدسة بما فيها القرآن فإن القائمة تطول و يصعب حصرها و هذه بعض الأمثلة الإضافية: فقد خالفت عائشة القرآن و خرجت إلى مكة ثم العراق و قاتلت علي رغم نهي بقية أزواج الرسول لها ، و اختلفت مع ولي الأمر مرتين عثمان و علي ، و من أكبر الأمثلة و أهمها مغزى الخروج على عثمان بل قتلة و هو أمر قام به عدد كبير من المسلمين بينهم محمد بن أبي بكر الصديق . و استمر الأمر على هذه الحال مدة طويلة فمالك بن أنس في فقهه يهتم لما كان يعمله أهل المدينة كدليل أكثر من أي نص ، أما فقهاء العراق ومنهم أبي حنيفة فكانوا يلجئون إلى الرأي مقدمينه على النصوص و من ذلك إباحة أبي حنيفة لأنواع المُسكر الذي لم يصنع من العنب ،و من المؤسف أن المسلمين المتأخرين بدلا من أن يعتبروا هذه المخالفات للنصوص دليلا على الجرأة و العقلانية التي ضاعت تماما منذ القرن الثالث الهجري أخذوا هذه المخالفات كسلاح للتهجم على من لا يوافقهم الرأي من السلف بعد أن انقسم العالم الإسلامي إلى عدة طوائف.
لقد اختلف الجيل الأول و دافعوا عن آرائهم حتى بدمائهم و مرة أخرى فإن المسلمين اللاحقين اعتبروا هذا عيبا ومنهم امن يخاف حتى من الحديث عنه ، مع أن ما حدث على قسوته هو دليل صحة و دعنا نستحضر هنا الأحداث التي تلت الثورة الفرنسية.
مع اندلاع ما يمكن أن نسميه بالحرب الأهلية العربية الأولى بعد الثورة التي أدت إلى مقتل عثمان و من المهم ملاحظة أن التاريخ العربي الإسلامي لا يعرف غير ثورتين شعبيتين فعليتين هما هذه ، و حركة إسقاط بني أمية ، مع اندلاع ما يسمى في أدبياتنا بحرب الصحابة انقسمت الأمة إلى ثلاث:
أنصار علي
أنصار معاوية(و يمكن أحيانا أن يعتبروا أنصار عثمان)
المحايدون و الذين أسميهم بالفريق الثالث و هم الذين اعتزلوا الحرب و من أشهرهم سعد بن أبي و قاص و لكن أكثرهم أثرا هم أشخاص مثل ابن عمر و ابن عباس و أبو هريرة و أنس بن مالك ( بعضهم لم يكن محايدا تماما أثناء الحرب و لكنه انتهى به الأمر إلى وضع الحياد لاحقا )عن مثل هؤلاء الأشخاص أُخِذَ معظم الحديث إن لم يكن كله ، هذه المجموعة تتصف بأنها تتألف من أشخاص مسالمين بطبعهم يميلون إلى الضعف و يخشون من إبداء الرأي هذا إذا كان لديهم رأي واضح في المسائل الهامة ، كما يفزعون من تحمل المسؤولية الأخلاقية و هم انهزاميون و ميالون للانسحاب و الاستسلام، و هم الذين اعتمد معاوية و من بعده من الخلفاء الأمويين عليهم في وضع الفقه و قواعد الدين . حيث أن معسكر معاوية كان يكاد يخلو من أصحاب محمد باستثناء عمر بن العاص و المغيرة و كلاهما ممن أسلم متأخرا، فقد انقسم الصحابة بين معسكر علي الذي خسر الحرب و الفريق الثالث و لابد من الإشارة إلى أن الفريق الثالث يحتوي رجال حقيقيين من أمثال سعد بن أبي وقاص و لكن الأمويين استمروا في عزلهم و التضييق عليهم بينما دعموا المجموعة الانهزامية و التي أفضل مثل لها ابن عمر ، الذي يدل الحديث المذكور سابقا على مدى تردده و ضعفه كما دعموا المجموعة الانتهازية و التي يمثلها أفضل تمثيل أبو هريرة .
هؤلاء هم واضعوا الحديث.
القرآن ما يزال بين ظهرانينا و كذلك السنة أو الحديث أو سمه ما شئت ، و لكن الذي ضاع هو بالتحديد هذه الروح الحرة ، هذا التفكير العقلاني .
أنا لم أنقل أي من النصوص السالفة لأؤيد أو أنفي أي فكرة أو أي عقيدة أو مذهب ، و هذه النصوص تؤدي غرضي سواء اعتبرت صحيحة أو لا ، ذلك أن كل ما أردت بيانه هو الجو ، هو الروح أو الثقافة التي كانت سائدة فمجرد رواية هذه النصوص التي تشكك بأجزاء من القرآن أو تختلف مع النبي صراحة مع ؛و هذا في غاية الأهمية ؛ مع عدم اعتبار منكر هذه الصورة من القرآن أو الذي يضيف نصا ليس في القرآن أو الذي يخالف رأي النبي ،كافرا و لا مرتدا . هذا هو بالضبط ما أريد الوصول إليه و هذا بالضبط هو ما صنع عظمة الإسلام في أيامه الأولى التي تحدث عنها ه ج ولز كما سأبين لاحقا. و هذا هو بالضبط الشيء الذي ضاع و فقده الإسلام تدريجيا ليتحول إلى مجرد فكر يجتر انتصاراته السابقة ، و هنا أقول إذا كان يقصد بأن الإسلام صالح لكل زمان و مكان هذه الروح فانا أوافق على ذلك شأنه في ذلك شأن كل الثورات العظيمة في الفكر الإنساني . و إذا كان هذا هو المقصود بالرسالة الخالدة للأمة فأن أيضا أوافق على ذلك ، لقد أشع فكر الإسلام العظيم في فترة زمنية معينة حسب ما هو متوفر له ، ضمن إطار تاريخي و معرفي معين و هو بهذا المعنى قادر على الإشعاع من جديد ، أما إذا كان المقصود تقييد الإسلام بأشخاص ؛ مهما علا شأنهم ؛ أو بنصوص ؛ مهما كانت أهميتها و قيمتها ؛ فهذا يعني تضييع رسالة الإسلام الحقيقية و الجوهرية ، هذا يعني تصنيم الإسلام .
الله في الإسلام يمكن أن يكون ذلك المطلق المجرد غير المحدود أو المشخص ، و بالتالي يمكن التواصل معه بكل الطرق و من قبل كل أحد ، بالطبع لا يمكن إنكار أن هذا الفكر الإسلامي نفسه فيه بذور تقيد حرية البشر بالأشخاص و بالنصوص و هذه البذور كانت موجودة من البداية و لم تدخل لاحقا ، و هي التي تغلبت تاريخيا مما يعني أن الروح الإسلامية يمكن أن تكون صالحة لمنطلق إسلامي حداثي و ليس الإسلام التاريخي كذلك ، ذلك أن الإسلامي التاريخي لم يكرس فقط الحالة السابقة على الإسلام بل كرس فكرا أسوء من ذلك بكثير ، فكرا غاية في التحجر و اللاعقلانية ، و بما أن العقلانية هي الطريقة الوحيدة التي تصل الإنسان بالحقيقة التي هي الله فان ما سواها هو و ثنية ، و إذا كانت الوثنية الجاهلية قبل الإسلام تترك للفرد بعض ، بل كثيرا من الحرية ، فان ما حصل في عصور انحطاط الإسلام هو تقديس مطلق لكل شيء و هذا ما أسميه بالوثنية الكبرى ، أصبح الصحابة و علماء الدين و شيوخ الطرق الصوفية و رواة الحديث ، كلهم أصنام تعبدها الأمة و كذلك ما قالوه من أقوال و ما جمعوه من كتب ، بل لعلنا يمكن أن نلاحظ أكثر من ذلك: ففي وقتنا الراهن لم يعد الأمر يقف عند رجال الدين أو السياسة بل أم كلثوم و أسمهان و عبد الحليم حافظ كلهم مقدسون ، و من تابع بعض المسلسلات التلفزيونية التي تروي سيرة حياة هؤلاء الفنانين الكبار ، لا بد أنه يمكنه أن يلاحظ دون أي عناء أن سيرهم لم تكن تروى كسير حياة فنانين عظماء ، بل كسير حياة أساطين منزهين عن أي خطأ و بالتالي أصنام مقدسة ، فأي و ثنية أكثر من هذه نريد ، إن العقلانية و الحرية الفردية التي تعني أنه بالإمكان نقد أي شيء ، أي شيء هي الشرط الأساسي الأول لانجاز أي تقدم فكري و علمي .
و قبل أن أختم سطوري هذه من المفيد تلخيص المقصود : لقد كان توماس جيفرسون واحد من أشهر آباء الولايات المتحدة الأميركية و هو كاتب إعلان الاستقلال الأميركي و في هذا الإعلان يقول (نؤمن إن الناس متساوون ) مع أن الرجل يملك ثلاثون عبدا و لم يفكر يوما في تحرير أي منهم ، يقول جيفرسون ( الشخص المثالي غير موجود بيننا ، و إذا كنا لا نحب إلا الشخص الخالي من العيوب فان العالم سيخلو من الحب ) . الأشخاص العظماء في هذا العالم يمتلكون شخصيات غامضة و معقدة حد التناقض و هذا أمر طبيعي،إن طبيعة الأمور تفيد: بأن أعظم الأخطاء إنما يرتكبها أعظم الناس ، هكذا كان الاسكندر الأكبر و نابليون . إن شخصية محمد هي من هذا النوع ، و ما كل المآخذ التي يعيبها المستشرقون و غيرهم على هذا الرجل إلا من هذا القبيل ، فتعقيد شخصيات البشر عندما تصل الحد الأعظم الممكن من الإبداع الإنساني أمر طبيعي (لو كان لمحمد أن يخلوا مما عابوه عليه ، لكان إلاها و بالتالي من الواضح أن كل فريق يتمسك بجانب واحد من شخصية هذا العظيم حقا ، و ما أشده من ظلم للعظماء حين تهان كل مكاسبهم لأنهم ليسوا كاملين ! مع أن الكمال محال بلوغه . و ما أشده من ظلم للبشرية عندما يطلب إليها النظر إلى أي أحد على أنه كامل و حصر نفسها فيه )، أما الشخصية التي يصفها المسلمون التقليديون فشخصية اله ، سيقفز أحدهم و يقول لي أ تقارن النبي بهؤلاء الأشخاص ، و أقول له : هل محمد بشر أم اله ؟ اختاروا ؟
لا تقولوا لي هو نبي ، لأنني سأسألكم هل النبي بشر أم اله ؟ و لن أقبل أن هناك مرتبة وسطى بين البشرية و الإلوهية ، لأن هذا يعني بالنهاية أحدهما حتما.
عندما تحدثت آنفا عن الثورات البشرية الكبرى الثلاث ، الإغريقية و الإسلامية و الأوربية الحديثة ، لم أتحدث عن المسيحية لأنها كانت امتدادا للفكر الأفلاطوني اليوناني المتأخر ، إن رسالة الإسلام التي أنارت العالم عصرا من الزمن و غيرته نحو الأفضل ، ثم خبت سريعا هي هذه بالضبط : إلغاء الكائن الوسط بين الله و البشر ، هناك اله مجرد مطلق و هناك بشر مهما بلغ تفاضلهم تجاه بعضهم البعض ، فإنهم متساوون مقارنة بالله .
هذه فكرة منطقية بسيطة : كائن طوله1 متر و ثاني طوله 10 متر و ثالث طوله 1 مليون متر و رابع طوله 100مليار كيلو متر ، كلهم متساوون عند مقارنتهم بكائن طوله 1 مليار مرفوع للأس (القوة )مليار متر ، مع أن العددين محدودين و منتهين ، فكيف عندما تكون المقارنة بين محدود مهما بلغت عظمته أو ضآلته مع اللامحدود و المطلق ، عندما نقارن البشر بالمطلق فكلهم متساوون و كلهم بشر و كلهم غير كاملين ، و القرآن ذاته أعظم دليل لمن يقرأه بروح منفتحة على أنه لا موسى و لا إبراهيم و لا حتى محمد كان كاملا . و بعبارة فقهاؤنا: هذه أدلة عقلية و نقليه دامغة على استحالة أن يكون أي إنسان أو نص كامل.
عدم الفصل بين الله و البشر إهانة لله و تدمير للبشر ، هذا الفصل هو رسالة الإسلام و هي نفسها رسالة النهضة الأوربية و قبلهما كانت هي ذاتها رسالة الفكر الإغريقي ، مع بعض الإضافات و النقص هنا و هناك . لقد جاء الإسلام بالضبط ليصحح هذه الخطيئة التي أوقع الفكر الأفلاطوني - المسيحي العالم بها مسببا في توقف المد الفكري العالمي الذي تدفق لقرون قبل ذلك ،و للأسف الشديد فان الإسلام نجح في هدفه هذا جزئيا في المكان و الزمان ، ثم عادت فكرة خلط الإله بالبشر و القبول الفلسفي بممثل بشري لله ، لقد كانت الديانات القديمة تصل إلى حد الخلط الجسدي للإله بالبشر قبل أن يحرر الفكر الإغريقي التفكير البشري من هذه المعضلة و لكن ليس كليا ، فقد لقي مصير الإسلام ، إذ سرعان ما ابتلعه التيار السائد في البلاد المفتوحة .
للأسف عادت هذه الفكرة سريعا للطغيان و السيطرة على العالم من جديد ، و من الطريف أن هذه الفكرة كلما جوبهت بفكر مقاوم ، استوعبته سريعا و حورته ثم استخدمته لترسيخ ذاتها ، و السبب بذلك أن الفكر الديني التقليدي الذي يخلط الآلهة بالبشر هو فكر بدائي مريح ، حتى أن الناس في ظله قادرون على أن يضهدوا و يُضهدوا و يقتلوا و يُقتلو و يجوّعوا و يجوعوا و هم مسرور
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://monamad.forumpalestine.com
 
ثورات البشرية على الوثنية
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
عائلة جودة :: المدير العام : أبو الوليد :: قسم الحور والفكر العام-
انتقل الى: